الكتابة اليوم حول قضية فلسطين تشبه كمن ارتضى ان يلقى بنفسه فى اتون مشتعل، وليس هذا ناجما عن سخونة الاحداث الجارية هناك فحسب ولكن للتربص الذى اصبح سمة لاى حوار فى مجتمعنا العربى.
والتربص الذى اعنيه هو ان من يقرأ دائما وابدا يستبق الاحداث ويبنى تصورات نابعة من ثقافته وشخصيته وخلفيته، ويحاول ان يطوع اى مقال الى الصيغة التى تناسب تفكيره هو، بغض النظر عن بقية القراء وعقلياتهم او حتى بغض النظر عن كاتب السطور نفسه.
نحن كعرب ثقافة وتقاليد وبيئة لا نقرأ التاريخ جيدا ولا نريد ان نعى الاحداث ونتعلم منها ما يمكن ان يقودنا الى تحليل اخطائنا، وتقييم افعالنا، والخروج بتوصيات لاصلاح مسار اعوج، سواء كان لاسباب داخلية او حتى لاسباب خارجة عن ارادتنا.
تمـــــهيد
ان سخونة الاحداث لم تبدأ خلال الاسبوع المنصرم فقط، ولا حتى قبل ذلك من لحظة فوز حماس فى الانتخابات التشريعية، لان ما نراه اليوم هو عبارة عن قمة جيل الجليد الغاطس الذى يضرب بجذوره فى اعماق المحيط.
ان البداية كانت منذ اللحظة التى عبر فيها عن الشعب الفلسطينى عن نفسه عبر فكر واحد ومجموعة واحدة الا وهى لحظة انشاء منظمة التحرير الفلسطينية.
وان كنت لا اعتب على ظروف قيام فصيل واحد بتمثيل شعب باكمله على الرغم من اختلاف ثقافة افراده وخلفياتهم وارائهم وطباعهم، ولكن الظرف كما ذكرت التى ولدت فيه المنظمة كانت فى فترة حالكة فى تاريخ الدول العربية وكان وقتها لا يمكن تفتيت القضية بين فصيل هنا وفصيل هناك، كما كانت الامة كلها فى جرح غائر نتيجة لنكسة حزيران وما نجم عنها من ماسى ونتائج غيرت تاريخ الشرق الاوسط كله حتى يومنا هذا.
مقــدمة
كل هذه العوامل وحدت الشعب الفلسطينى سواء المشتت على طول العالم وعرضه، او الصامدين من اخوانا فى الاراضى المحتلة. ومرت القضية الفلسطينية بفترات احلك واقسى مما نعيشه اليوم.
فبرغم كل المهازل التى نراها، ونزيف الدم المتصل والذى دار بين اخوة الامس واشقاء الوطن، وتحولت معه فوهات البنادق من صدور اعدائهم الى صدور اخوانهم، فلا مجال اطلاقا لنسيان او اغفال واقع فلسطينى اصبح عنصرا هاما فى اى معادلة توضع للشرق الاوسط باكمله.
القضية الفلسطينية والتى يراد لها ان تموت كما ماتت اشياء كثيرة، وان تندثر كما اندثرت حقوق غالية قبلها، وبرغم كل ما نراه انما هى مرحلة مخاض صعب، مخاض لاجيال لن تقف عند حدود الكلام والشجب والاستنكار فحسب، ولكنها اجيال سوف تستطيع ان توقف المعتدى عند حده، وان تناضل بشرف فى ميدان القتال حتى تستطيع استعادة الحقوق المسلوبة.
المشكــلة
المشكلة الفسطينية الحقيقية بدأت من اللحظة التى قرر الشعب الفسطينى فيها تحت قيادة الشهيد احمد ياسين تاسيس حركة المقاومة الاسلامية حماس.
ان قيام حماس واخواتها على ارض فلسطين لم يكن يعنى الا شيئ واحد، الا وهو ان الفصيل الواحد لم يعد مناسبا للتعبير عن اراء وافكار شعب باكمله، وان اختزال نضال شعب على اختلاف توجهاته حتى وان اقتضت الظروف فى فترة من الفترات ان يكون المعبر عن القضية الفلسطينية فصيل واحد وهو "منظمة التحرير الفلسطينية" سيكون له ضرر اكبر على الفلسطينين انفسهم اكبر من غيرهم.
ان قيام حماس واخواتها وان دل على شيئ فانما يدل على انحراف توجهات منظمة التحرير الفلسطينية عن توجهاتها الاصلية والتى دعت الحاجة الى انشائها، وان طول فترة الصراع بلا حسم او تقدم على الارض دفع الاجيال الجديدة الى البحث عن حلول جديدة بطرق جديدة، وحتى ان الطبيعة البشرية تميل الى التنوع والاختلاف، وهو ما يؤدى الى التوالد والتطوير المستمر.
والحصيف هو من استثمر هذا التنوع والاختلاف فى زيادة مكتسبات المجتمع ككل وان تكون العلاقة بين كل الفصائل علاقة تكاملية لا انفصالية، وان تكون الرؤى على اختلافها وتنوعها سبيل للتلاقى وتوسيع نطاق المناورة لا سبيل للتضاد او التشاحن.
ولادة "منظمة التحرير الفلسطينية" ودفاعها عن الشعب الفلسطينى فى ظرف تاريخى معين كان يجب الا يعطى لهذا الفصيل الحق فى ادارة الصراع بكل اشكاله سواء صراع نضالى مسلح او مفاوضات لاحلال السلام على انه "حق الهى" بدون تغيير او حتى فرصة لابداء وجهه نظر مغايرة.
ان القائمين على ادارة الصراع فى فلسطين، لم يراعوا ان النضال تختلف ادواته وطرق ادارته او حتى شخوصه بتغير الظروف والموازيين المحيطه به، وان الثابت فقط هو الهدف من الصراع.
وانا هنا لا اريد ان اعيد سرد ظروف الصراع التى نعلمها جميعا منذ نعومة اظفارنا، ولكنى اريد التنبيه على ان اصل المشكلة متواجد منذ ما يزيد على عشرون عاما ولم نلتفت لها لنتعلم منها، وندرسها ونحللها لنخرج منها بنتائج اهمها "الا يستاثر فصيل واحد بالقيادة وسلطة اتخاذ القرار بناء على رؤيته الاحادية".
فى ظل ظهور اجيال جديدة من ابناء الشعب، ليس عيبا ان يكون لهم فصيل معين يعبر عنهم وعن تطلعاتهم، كل فصيل من ابناء الوطن له الحق فى عرض رايه وتصوراته طالما كان معبرا عن نبض الجماهير.
ان الاجماع الوطنى المتمثل فى ان تكون الشعوب ممثلة بجميع طوائفها بحرية فى القيادة التى تتولى التفاوض او ادارة الصراع، هى
















